محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

23

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الناس أخذوه وصفعوه ، ونزعوا الثياب عنه ، واشتهر عندهم بالسرقة ، حتى كان يعرف عندهم ب « لصّ الحمّام » ، فحينئذ وجد قلبه . ومثله ما يروى عن « أبي يزيد » رضي اللّه عنه ، في قصّة الشاهد الذي أمره بحلق رأسه ولحيته وتعليق مخلاة الجوز في عنقه ، وإعطائه [ من ذلك ] لمن يصفعه من الصبيان ، وطوافه على الحالة في المحافل والمحاضر . والحكايتان مشهورتان ، ذكرهما الإمام أبو حامد الغزالي ، رضي اللّه عنه ، وغيره . وقال بعض المصنّفين : « وإذا جاز لمن غصّ بلقمة من طعام حلال أن يسيغها بجرعة من الخمر إذا لم يجد غيره ، مع أن تحريمه مقطوع به ، ولا يفوته إلّا حياة فانية ، فلئن يجوز مثل هذا إذا تعيّن أولى ، إذ تفوته بذلك الحياة الباقية ، والقرب من اللّه تعالى . فإذا التزم العبد هذه الطرق من الرياضات ماتت نفسه ، وحيى قلبه ، وقرب من حضرة ربّه ، واجتنى ثمرة غرسه عل غاية الكمال والتمام ، وتلك الثمرة أخلاق الإيمان التي تكيّفت بها نفسه وصارت كصفات ذاتية له ، وهي نتيجة الحكمة التي أنبتها اللّه في قلوب عباده المتواضعين وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] . قال عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، لأصحابه : أين تنبت الحبّة ؟ قالوا : في الأرض ، فقال عيسى ، عليه الصلاة والسلام : كذلك الحكمة لا تنبت إلّا في قلب مثل الأرض . قلت : وقد ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في مدح الخمول وذم الشهرة أحاديث كثيرة ، منها : ما روى أبو أمامة ، رضي اللّه عنه ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : يقول اللّه عز وجل : « إنّ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ « 1 » ، ذو حظ من الصلاة ، أحسن عبادة ربه ، وأطاعه في السر ، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع ، وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك ، ثم نفض يده ، فقال : عجّلت منيّته ، قلّت بواكيه ، قلّ تراثه « 2 » » . وفي حديث أبي هريرة ، رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ربّ أشعث « 3 » أغبر ذي طمرين « 4 » تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على اللّه لأبرّه « 5 » » . وروى معاذ بن جبل « 6 » رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن يسيرا من الرياء

--> ( 1 ) الخفيف الحاذ : خفيف الظهر . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( زهد ، 35 ) ، وابن ماجة ( زهد ، 4 ) ، وأحمد بن حنبل 5 ، 252 ، 255 ) . ( 3 ) الشّعث : التلبد أو التغبّر . ( 4 ) الطّمر : الثوب الخلق البالي ( ج ) أطمار . ( 5 ) أخرجه الترمذي ( مناقب ، 54 ) . ( 6 ) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي ( 20 ق ه - 18 ه - 603 - 639 م ) -